علي بن أحمد المهائمي
175
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
( ومن أعجب الأمور كون الإنسان أعلى الموجودات أعني : الإنسان الكامل ) المفهوم من مطلق لفظ الإنسان إذ غيره إنسان صورة ملحق بسائر الحيوانات المعجم معنى ، ( وما ينسب العلو إليه إلا بالتبعية ) أي : بواسطته نسبته ( إما إلى المكان ، وإما إلى المكانة ) ، وإذا كان علوه بتبعية أحدهما ( فما كان علوه لذاته ) ؛ لأن ما بالذات لا يحتاج إلى الواسط ( فهو ) أي : الإنسان الكامل مع كونه أعلى الموجودات التي يدخل فيها المكان والمكانة هو ( العلي بعلو المكان والمكانة ) على سبيل منع الخلو . ( فالعلو لهما ) بالذات بالنظر إلى الإنسان وسائر المكونات ؛ ولكنه بالحقيقة للحق تعالى إذ لا كمال لهما بالذات ، فالعلو لهما أيضا بالتبعية إما في المكان فباعتبار عنايته تعالى ( فعلو المكان الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه : 5 ] ) ، فالعلو للعرش مع كونه نفس المحيط ، إنما هو باستواء الرحمن عليه ، فإذا لم يكن علوه لذاته فغيره أولى ، ( وعلو المكانة ) أيضا بالذات للحق بدليل قوله تعالى : ( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] ) ، ولا علو الهالك والمراتب أشياء ؛ فهي هالكة ( وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [ هود : 123 ] ) ، فعلو المكان والمكانة وغيرهما راجع إليه ( أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ [ النمل : 60 ] ) فلو كان للعبد علو بالذات لكان إلها ؛ لأن ما يكون علوه لذاته يكون في غاية الكمال إذ القصور من العوارض ، ولا تعارض العوارض لما هو بالذات ، ولا غاية كمال إلا للّه تعالى . [ ولمّا قال تعالى : وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا [ مريم : 57 ] فجعل « عليّا » نعتا للمكان ، وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [ البقرة : 30 ] ، فهذا علوّ المكانة ، وقال في الملائكة : أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ [ ص : 75 ] فجعل العلوّ للملائكة . فلو كان لكونهم ملائكة لدخل الملائكة ، كلّهم في هذا العلوّ فلمّا لم يعمّ مع اشتراكهم في حدّ الملائكة ، عرفنا أنّ هذا علوّ المكانة عند اللّه ، وكذلك الخلفاء من النّاس لو كان علوهم بالخلافة علوّا ذاتيّا لكان لكلّ إنسان . فلمّا لم يعمّ عرفنا أنّ ذلك العلوّ للمكانة ، ومن أسمائه الحسنى العليّ ، على من وما ثمّ إلّا هو ؟ فهو العليّ لذاته ، وعن ماذا وما هو إلّا هو ؟ فعلوّه لنفسه ] . ثم أشار إلى أنه كيف يكون العلو بالذات لغير الحق ، وأعلى الموجودات الباقية بالإجماع من العقلاء إما الإنسان أو الملك ، ولا علو لهما إلا بالمكان أو المكانة مع أن علو هذين ليس بالذات . فقال : ( ولما ) حذف جوابه بقرينة المذكور ، وهو عرّفنا أنه ليس لهما بالذات ( قال تعالى : وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا [ مريم : 57 ] ، فجعل عليا نعتا للمكان ) أولا وبواسطته